ترسيم الحدود البحرية بين السلطة الفلسطينية وتركيا بين الإمكان والقدرة

مقدمة:

يمكن أن يكون لاكتشافات الغاز البحرية الكبيرة نسبيا في شرق البحر المتوسط ​​تأثير عميق على مستقبل الطاقة والاقتصاد والجغرافيا السياسية في المنطقة. وعلى الرغم من الفرص التي توفرها هذه الموارد المكتشفة، إلا أن عددًا من الصراعات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية وتحديد مناطق النفوذ والمناطق المشتركة إضافة إلى النزاعات الإقليمية طويلة الأمد، ستعمل على تعقيد عملية استخراج تلك الموارد وتنميتها. وتشمل هذه النزاعات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وحالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، وحالة الحرب بين لبنان وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، ومسألة قبرص، إضافة إلى العلاقات المتوترة بين تركيا وإسرائيل من جهة، وتركيا ومصر من جهة أخرى.

احتياطات المتوسط من الغاز:

ووفقا لدراسات مسحية، تقدر احتياطات شرق المتوسط من الغاز الطبيعي بحوالي  3.5 تريليون متر مكعب “122 تريليون قدم مكعب”، بينما تقدر احتياطيات النفط فيها بحوالي 1.7 تريليون برميل، فيما تشير مصادر أخرى إلى أن الاحتياطيات من هذه الثروات تفوق كثيرا الأرقام المعلنة والمقدرة. (1)

تعود قصة اكتشاف حقلي غاز غزة مارين ومارين 2 قبالة سواحل قطاع غزة إلى العام 1999، فبموجب عقد حصري منحته السلطة الفلسطينية لعملاق الغاز البريطاني “بريتيش غاز” و”شركة اتحاد المقاولين CCC” العملاقة المملوكة لمستثمرين فلسطينيين، ومع بدء عمليات البحث والتنقيب والتي لم تستغرق طويلا من قبل الشركتين المطورتين اكتشف في عام 2000 حقلي الغاز المذكورين على بعد 30 كيلومترًا من شواطئ غزة وعلى نحو عمق 600 متر تحت سطح البحر.(2)

يقع حقل “غزة مارين” كليًا ضمن المياه الإقليمية الفلسطينية قبالة مدينة غزة، أما حقل “مارين2” فهو  يقع ضمن المنطقة الحدودية البحرية بين قطاع غزة وإسرائيل.

 وقدرت الشركة البريطانية الاحتياطات المؤكدة التي يمكن استخراجها من الغاز في الحقلين بنحو 30 مليار متر مكعب، بيد أن عمليات الإنتاج والتطوير بقيت معلقة بسبب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لكن حقلي غزة مارين ومارين2 لم يكونا الوحيدين في منطقة شرق المتوسط، حيث بزغت المنطقة برمتها كبحيرة غاز كبيرة مع اكتشاف حقلي تامار وليفياثان قبالة شاطئ إسرائيل وحقل أفروديت قبالة شاطئ قبرص. قدرت الاحتياطات المؤكدة في تلك الحقول المكتشفة حديثا بمليون وأربعين مليار متر مكعب من الغاز “280 لتامار، و620 ليفايثان، و140 لأفروديت القبرصي”، رقصت إسرائيل فرحا على وقع الاكتشافات الضخمة نسبة إلى احتياجاتها آنذاك ما سيسمح لها بلعب الدور الرئيسي في المنطقة في قطاع الغاز والذي يشكل أحد أهم مصادر الطاقة الرخيصة في العالم، ولاستغلال هذه الإمكانات، تم طرح عدد متزايد من خيارات التصدير على الطاولة بشكل تدريجي، بدءًا من خطوط الأنابيب (واحد إلى اليونان، وآخر إلى تركيا)، إلى مصانع الغاز الطبيعي المسال. وقد مثلت تلك الاكتشافات بارقة أمل كبيرة لدول الإقليم حيث تم الترويج لاكتشافات الغاز الجديدة كأداة لتعزيز حقبة جديدة من الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة.

كذلك توالت الاكتشافات في المنطقة، حيث تم الإعلان عن حقل تانين المكتشف في العام 2012، وتقدر احتياطاته بـ 34 مليار متر مكعب، وحقل كاريش المكتشف في العام 2013، وتقدر احتياطاته بـ51 مليار متر مكعب، وحقل رويي المكتشف في العام 2014، وتقدر احتياطاته بـ 90 مليار متر مكعب من الغاز. (3)

لكن العام 2015 مثّل نقطة تحول في منطقة شرق المتوسط، مع اكتشاف يغير شكل خارطة الطاقة في المنطقة، حيث أعلنت شركة إيني الإيطالية اكتشاف حقل غاز ظُهر قبالة سواحل مصر والذي عُدّ آنذاك أكبر اكتشاف للغاز على الإطلاق في البحر الأبيض المتوسط، وقد قدرت احتياطاته بـ 850 مليار متر مكعب من الغاز.

1– كتل الطاقة في شرق المتوسط (“TEKMOR Monitor”, 2018)

دور مصر الاستراتيجي:

عندما يتعلق الأمر بالغاز، يبرز اهتمام خاص لدول المنطقة المشار إليها -خاصة إسرائيل وقبرص ولبنان- بمصر، ليس ذلك لما تمثله مصر كمستهلك محتمل بسبب ارتفاع استهلاكها المحلي مقارنة بغيرها فحسب، بل لأنّ مصر-وهذا الأهم- هي الدولة الوحيدة في منطقة شرق المتوسط التي تتوافر على بنى تحتيّة لتصدير الغاز محطتي إسالة واحدة موجودة في “إدكو” والأخرى في “دمياط”، إضافة إلى محطة تجميع الغاز الكبيرة “محطة الجميل”، وهذا السبب الأخير يمكن أن يسمح لتلك الدول بتصدير غازها لأوروبا بدون أن تضطر للاستثمار في محطات إسالة خاصة أن تكلفة بنائها مكلفة جدا.

تبلغ السعة الإجمالية للمرفقين المصريين نحو 19 مليار متر مكعب سنويًا، وهو ما يمثل تقريبًا – لوضعه في المنظور – ضعف قدرة خط الأنابيب عبر البحر الأدرياتيكي (TAP).

سيتيح هذا الخيار إمكانية التصدير الفوري لكميات كبيرة من الغاز من الحقول المصرية والإسرائيلية والقبرصية بمجرد تغطية جميع الاحتياجات المحلية. يتمتع المطورون أيضًا بالمرونة بهذه الطريقة، حيث يمكن إسالة الغاز الطبيعي وتصديره إلى أي سوق وليس فقط إلى المنطقة أو إلى أوروبا. بالإضافة إلى ذلك، في حالة توفر كميات إضافية من الغاز للتصدير في المستقبل، يمكن توسيع كلا المحطتين للغاز الطبيعي المسال.

 مسارات التصدير المحتملة لاحتياطات شرق المتوسط (Stratfor Worldwide View، 2018) – 3

غزة مارين1 ومارين

 وقعت السلطة الفلسطينية في 8 نوفمبر 1999 مذكرة نوايا مع شركة بريتش غاز وشركة اتحاد المقاولينCCC، تمنحهم حقوق استكشاف المنطقة. قدر الاحتياطي الغاز الطبيعي المكتشف آنذاك بنحو 30 مليار متر مكعب، في الحقلين الصغيرين المكتشفين في المنطقة والذين أطلق عليهما اسم غزة مارين 1 وغزة مارين 2.

وفي وقت لاحق من العام نفسه، علّق رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك  إيهود باراك عمليات التنقيب عن موارد غزة البحرية، دون أي تشاور مسبق مع إسرائيل، حيث نشر باراك البحرية الإسرائيلية في المياه المقابلة لغزة لعرقلة تنفيذ بنود العقد المتواضع بين السلطة الفلسطينية وشركة الغاز البريطانية (BG) لتطوير موارد الغاز المتوسطية في غزة. طالبت إسرائيل وقتها بربط غاز غزة بمنشآت مقامة على أراضيها، وبسعر أقل من مستوى السوق السائد، وأن تتحكم إسرائيل أيضًا في جميع الإيرادات (المتواضعة نسبيًا) المخصصة للفلسطينيين معللة ذلك بمنع استخدام عوائد الغاز في “تمويل الإرهاب”. (4)

 

2– حقلي غزة مارين قبالة سواحل مدينة غزة.

مثّلت الإجراءات الإسرائيلية تلك أول خطوات الفشل الكبيرة في مسار أوسلو للسلام والتي وقعت قبلها بسنوات عدة، لأن الرفض الإسرائيلي لإعلان سيطرة السلطة على عائدات الغاز، جاء بمثابة تعهد إسرائيلي بعدم قبول أدنى أنواع الاستقلالية في الميزانية الفلسطينية، ناهيك عن السيادة الكاملة في الميزانية التي كانت تسعى إليها أوسلو فيما بعد.(5)

وساطة بلير

أدى الرفض الإسرائيلي إلى تدخل رئيس الوزراء البريطاني وقتذاك توني بلير، الذي سعى للتوسط في اتفاق يرضي كل من الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية. وكانت النتيجة هي اقتراح عام 2007 الذي كان نص على إيصال الغاز إلى إسرائيل، وبأسعار أقل من سعر السوق، مع وصول 10٪ من الإيرادات في نهاية المطاف إلى السلطة الفلسطينية. ومع ذلك، سيتم تسليم هذه الأموال أولاً إلى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لتوزيع النسب، لضمان عدم استخدامها في هجمات على إسرائيل. (6)

حماس كقوة شرعية

أضاف فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006 تعنتا جديدا على الموقف الإسرائيلي، حيث جاء فوز الحركة التي لا تعترف بشرعية إسرائيل ناسفا لكل الصفقات التي تخص الحقلين كما أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود أولمرت، على الرغم من أن حماس وافقت فعليا على السماح للاحتياطي الفيدرالي بالإشراف على جميع النفقات، فقد أصرت الحكومة الإسرائيلية على “عدم دفع الإتاوات للفلسطينيين” كما قال أولمرت. وبدلاً من ذلك، سيقدم الإسرائيليون ما يعادل هذه الأموال على شكل سلع وخدمات.

رفضت حكومة الوحدة الفلسطينية بقيادة حماس العرض الإسرائيلي، وبعد فترة وجيزة ، فرض أولمرت حصارًا على غزة، وصفه وزير الدفاع الإسرائيلي بأنه شكل من أشكال “الحرب الاقتصادية” التي من شأنها أن تولد أزمة سياسية لحماس. (7)

في 2010-2011، واجهت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أزمة طاقة كبيرة عندما أوقفت أحداث الربيع العربي في مصر 40٪ من إمدادات الغاز الإسرائيلية، ساهم ارتفاع أسعار الطاقة في إسرائيل في نشوب أكبر موجة من الاحتجاجات في الشوارع الإسرائيلية منذ عقود. (8)

تعطلت الجولة التالية من المفاوضات بسبب رفض الفلسطينيين لمطالبة إسرائيل بالحصول على كل الغاز المكتشف بالإضافة إلى العائدات المخصصة لغزة والضفة الغربية. ثم اتبعت حكومة الوحدة الفلسطينية الجديدة القيادة اللبنانية والسورية وجمهورية قبرص التركية، وفي أواخر عام 2013 وقعت “امتياز استكشاف” مع شركة غازبروم الروسية، عملاق الغاز الطبيعي الروسي، يبدو أن السلطة الفلسطينية كانت تطمح لأن تكون البحرية الروسية رادعة لأي تدخل إسرائيلي محتمل. (9)

الروس يحاولون دخول اللعبة

ومع تحرك غازبروم الروسية لتطوير رواسب الغاز التي يطالب بها الفلسطينيون في الأفق، أطلق الجيش الإسرائيلي حملة عسكرية كبيرة “الجرف الصامد” في يوليو 2014 لإجبار الفلسطينيين على القبول بما تعرضه حكومة إسرائيل. (9) (10)

كان للعملية هدفين رئيسيين متعلقين بالهيدروكربونات: ردع الخطط الفلسطينية الروسية والقضاء نهائياً على أنظمة الصواريخ في غزة التي من شأنها تقويض أي خطط إسرائيلية مستقبلية للبدء في التنقيب. يبدو أن إسرائيل استطاعت تحقيق الهدف الأول، حيث أعلنت غازبروم تأجيل صفقة التطوير إلى أمد غير مسمى. أما الهدف الثاني، فقد فشل الجيش بتحقيقه بريا وجويا -على الرغم من الدمار غير المسبوق الذي حلّ في غزة- حيث فشل بتدمير مخزونات الصواريخ التابعة لحماس أو أنظمة التخزين خاصتها القائمة على شبكة من الأنفاق. كما لم تحقق القبة الحديدية في تقدما مثاليا لمعدل الاعتراض اللازم لحماية منشآت الطاقة المقترحة.

في عام 2015، استأنفت الحكومة الفلسطينية مفاوضاتها بشأن الاتفاق الموقع مع بريتيش غاز وألغت الحقوق الحصرية التي منحتها للشركة. كما رفعت حصة صندوق الاستثمار الفلسطيني PIF من 10٪ بموجب الاتفاقية القديمة إلى 17.5٪. بعد ذلك، استحوذت شركة شل على بريتيش غاز في 8 أبريل 2016.

آخر توزيع للملكية

اعتبارًا من عام 2017، كانت تراخيص حقل غزة البحرية مملوكة من قبل صندوق الاستثمار الفلسطيني PIF بنسبة 17.5٪ من حقوق تطوير الحقل، فيما تمتلك شركة اتحاد المقاولين CCC على ما نسبته 27.5٪ من هذه الحقوق و 55٪ لصالح شركة شل. في عام 2018 ، قررت شركة شل، التي كانت قد استحوذت على شركة بريتش غاز في وقت سابق، التخلي عن حصتها البالغة 55٪ في غزة مارين، وتحويلها إلى شركات فلسطينية. (11)

إثر ذلك أصدر صندوق الاستثمار الفلسطيني بيانا في إبريل 2018 قال فيه إن تحالفا جديدا يضم الصندوق سيحل محل شركة شل في حقل الغاز الطبيعي “غزة مارين” الذي سيتم فيه تخصيص 45% لشركة عالمية مطورة.

وأضاف البيان أن التحالف الجديد “يتكون من صندوق الاستثمار الفلسطيني وشركة “سي سي سي” (اتحاد المقاولين) بنسبة 27.5% لكل منهما، وتخصيص 45% لشركة عالمية مطورة يتم المصادقة عليها من قبل مجلس الوزراء الفلسطيني”. (12)

ترسيم بحري مع تركيا:

مع وصول قرار ضم الضفة الغربية إلى مراحل متقدمة تطبيقا لما جاء في صفقة القرن التي أقرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومع ضمور مسار المساعدات الدولية المقدمة للسلطة الفلسطينية إلى أدنى حد، وجدت الأخيرة نفسها أمام تهديد وجودي، يستهدف مكتسباتها المحدودة نسبيا من حيث وجودها ككيان سياسي يمثل الفلسطينيين إضافة إلى فقدان السيادة المحدودة أصلا على باقي المناطق الفلسطينية. ما دفع السفير الفلسطيني لدى انقرة إلى التصريح عن إمكانية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وقطاع غزة.

وقال السفير الفلسطيني لدى أنقرة فائد مصطفى في مقابلة مع صحيفة أيدينليك التركية، إن السلطة الفلسطينية يمكن أن تتبع صفقة ترسيم الحدود البحرية التركية مع ليبيا، وتوقع اتفاقها الخاص.

وأضاف: “نحن منفتحون على كل فكرة تعمّق علاقاتنا مع تركيا، وهذا يتضمن صفقة بشأن المناطق الاقتصادية الخالصة”.

وأوضح: “لدينا أيضاً حقوق في البحر الأبيض المتوسط. لفلسطين أسهم في النفط والغاز تقع في شرق البحر الأبيض المتوسط. نحن على استعداد للتعاون في هذه المجالات والتوقيع على اتفاق”.

ووفقاً لقانون البحار للأمم المتحدة، فإن للدول الساحلية الحق في 320 كيلومتراً من الأراضي البحرية من سواحلها، إذ يمكنها إعلان “منطقة اقتصادية حصرية” (EEZ) ، ويكون لها الحق في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها. (13)

سرعان ما أصدرت وزارة الخارجية الفلسطينية بيان أكدت فيه أن تصريحات سفيرها لدى تركيا “أُخرجت من سياقها، ونُسبت إليه ما لم يقصده”، مؤكدةً أن لدى دولة فلسطين “علاقات وثيقة مع دول البحر المتوسط، بما فيها اليونان وقبرص وتركيا، وحرصها في الحفاظ على حسن تلك العلاقات وتطويرها”.

وشددت على “أنه لا يوجد حالياً أي اتفاقيات يجري بحثها مع أي من هذه الأطراف”، مضيفة أن علاقاتها مع دول الجوار مستندة إلى “حسن الجوار والقانون الدولي”.

ولم يكتف الفلسطينيون ببيان الخارجية ليصدر السفير الفلسطيني لدى تركيا بياناً قال فيه، إن “فلسطين لا تنوي حالياً أو في المدى المنظور الدخول في أي اتفاق مع أي من دول الجوار بما فيها تركيا أو اليونان أو قبرص”.

وشدد على أن الصحيفة التركية “أبرزت في معرض نشرها للمقابلة معه تصريحات لم يقلها، بحيث أخرجت من سياقها”، مضيفاً أن الصحيفة “استقت كلمات ذكرت في إطار عام لتحميلها مضامين سياسية كبيرة”.

يمكن النظر إلى أن إثارة الموضوع ثم نفيه تم بشكل مقصود للإشارة إلى التوجهات الانتحارية التي قد تقدم عليها السلطة الفلسطينية في حال استمر التهديد الوجودي الذي يستهدفها. (14)

لكن هل ترسيم حدودي بين السلطة الفلسطينية وأنقرة ممكن فعليا؟

ثمة جوانب عدة يمكنها توضيح الموقف الفلسطيني من مسألة الترسيم البحري تلك:

الجانب القانوني:

أعطت اتفاقيات أوسلو على وجه التحديد اتفاقية “غزة – أريحا” لعام 1994، السلطة القضائية البحرية للسلطة الفلسطينية على مياهها حتى 20 ميلًا بحريًا (23 ميلًا قانونيًا) من الساحل، الذي يسمح بالصيد والأنشطة الترفيهية والاقتصادية -يفترض أن يشمل التنقيب أيضا-. لكن أوسلو تمنح إسرائيل أيضًا الحق في منع حركة النقل البحري داخل هذه المنطقة لأسباب أمنية. علاوة على ذلك، واجه تطوير حقول الغاز المقابلة لغزة مقاومة في الأوساط التجارية والسياسية الإسرائيلية.

قدم كارتل الشركات Yam Thetis – وهو تحالف يضم ثلاث شركات إسرائيلية وشركة أمريكية (Samedan)-، الذي تم إنشاؤه للعمل في حقول الغاز الإسرائيلية المجاورة التماسا لدى الحكومة الإسرائيلية لمنع “بريتيش غاز” من الحفر قبالة غزة؛ والسبب المقدم هو أن السلطة الفلسطينية ليست ذات سيادة وبالتالي لا يمكنها الاستفادة من معاهدة قانون البحار.

ومع ذلك، منح رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في تموز/يوليو 2000 تصريحًا لبريتيش غاز لحفر الحقل الأول Marine-1 كجزء من اعتراف سياسي (ولكن ليس ملزمًا قانونيًا) من قبل إسرائيل بأن البئر يقع تحت تصرف السلطة الفلسطينية. في نوفمبر 2000، بدأت بريتيش غاز في حفر البئر الثاني، Marine-2، لتقييم كمية وجودة الغاز.

في 27 سبتمبر 2000، وعشية اشتعال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أشعل عرفات برفقة جوقة من رجال الأعمال الفلسطينيين شعلة الغاز الأولى أمام وسائل الإعلام في منصة بريتيش غاز البحرية المكتشف حديثا. أعلن عرفات في خطابه أن الغاز “هدية من الله لنا ولشعبنا ولأطفالنا. سيوفر هذا أساسًا متينًا لاقتصادنا، من أجل إقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشريف”.  وأكد رئيس شركة بريتيش غاز أن الغاز المكتشف كان ذو نوعية جيدة (98-99 بالمائة من الميثان النقي) وأن الاحتياطات المؤكدة كافية لتلبية الطلب الفلسطيني والتصدير.  بدا أن تفويض باراك لحفر البئر الثاني، والاكتشافات الغازية الوفيرة في كليهما، تعد بإمكانية تحقيق مكاسب للسلطة الفلسطينية، وتعزيز قابليتها الاقتصادية والسعي إلى السيادة.

إن “فك الارتباط” الإسرائيلي الأحادي الجانب من غزة، الذي اكتمل في أغسطس 2005 بإخلاء المستوطنات المدنية والمنشآت العسكرية من غزة، لم يمنع إسرائيل من السيطرة سواء في الواقع أو في القانون. والواقع أن خطة فك الارتباط التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية تنص صراحة على أن “إسرائيل ستشرف على الغلاف الخارجي لغزة وتحرسه على الأرض، وستحافظ على سيطرة حصرية على المجال الجوي لغزة ، وستواصل القيام بأنشطة عسكرية في المجال البحري لقطاع غزة”.

أرجئ البت في الموقف القانوني من الحقلين بين إسرائيل والسلطة إلى ملحق خاص في بروتوكول باريس الاقتصادي، وهو ما لم يتم البحث فيه حتى الآن بمماطلة الجانب الإسرائيلي.

يُنظر إلى تلك المماطلة الإسرائيلية، إلى تفضيل تل أبيب البت في الموقف بعد تطويرها استراتيجية متماسكة خاصة بها حول ملف الطاقة بشكل كامل وهي استراتيجية غير موجودة حتى الآن لأسباب فنية وتقنية تتعلق بالأسواق المحتملة وطريقة النقل وشكل المنافسة.

الجانب السياسي:

يخضع الجانب السياسي من أي عملية ترسيم مفترضة إلى منظورين أساسيين، وهما قدرة وإرادة السلطة الفلسطينية السياسية لعملية الترسيم، وموقف إسرائيل السياسي من العملية بكونها الطرف المسيطر.

علاقة السلطة الفلسطينية السياسية بباقي دول حوض المتوسط:

في السادس عشر من كانون الثاني/ يناير 2020، انعقد في العاصمة المصرية القاهرة الاجتماع الوزاري الثالث لمنتدى غاز شرق المتوسط (EMGF)، وحضر الاجتماع ممثلون عن اليونان، وقبرص الجنوبية (اليونانية) وإيطاليا والأردن و”إسرائيل” والسلطة الفلسطينية، بصفتهم، إلى جانب مصر، الأعضاء المؤسسين للمنتدى، والذي تولّى رئاسته وزير البترول والثروة المعدنية لمصر، بصفته الرئيس الحالي للاجتماع الوزاري لمنتدى غاز شرق المتوسط، وبالإضافة إلى الدول المؤسسة، حضر الاجتماع ممثلون عن الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، وانضمّ إليه ممثلو الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بصفتهم ضيوفًا.

مثّل السلطة الفلسطينية في الاجتماعات محمد مصطفى رئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني، بتكليف من الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، وبصفة فلسطين عضوًا مؤسسًا في المنتدى، منذ اجتماعه الوزاري الأول الذي عُقد في منتصف كانون الثاني/ يناير من العام 2019،  ولكون السلطة الفلسطينية جزءًا من معادلة الطاقة في شرق المتوسط بحكم وجود حقول للغاز قبالة شواطئ قطاع غزّة.

بطبيعة الحال فإن هذه المشاركة في المنتدة تثير حفيظة تركيا تجاه موقف السلطة الفلسطينية التي تعتبر أن أهدافًا سياسية تقف خلف تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، وتسعى إلى إخراج تركيا من معادلة الطاقة في المتوسط، ولاسيما بعد خطوات تحويل المنتدى إلى منظمة دولية.

لذلك فإن أي ترسيم بحري بين تركيا والسلطة الفلسطينية سيلقي بظلال ثقيلة على علاقة السلطة بالدول الأخرى في المنتدى لا سيما اليونان ومصر وإسرائيل، بسبب بلوغ التوتر ذروته بينها وبين تركيا حول ذات الموضوع وموضوعات أخرى.

لذلك من الصعب على السلطة الفلسطينية المقامرة بعلاقاتها مع تلك الدول، إذا ما علمنا أن السيطرة الفعلية للمنطقة البحرية تعود لإسرائيل، وأن إمدادات الغاز التقنية والفنية في حال توقيع أي اتفاق لن تكون إلا من خلال احتمالين إسرائيل أو مصر.

منظور إسرائيلي:

في سبتمبر 2007، نصح رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون الحكومة الإسرائيلية بشدة بعدم إبرام اتفاق مع بريتيش غاز قائلا: “من الواضح أن إسرائيل تحتاج إلى مصادر غاز إضافية، بينما يحتاج الفلسطينيون بشدة إلى مصادر جديدة للدخل. ومع ذلك، ومع تحول غزة حاليًا إلى معقل حمساوي، والضفة الغربية في خطر فوضى، فإن تحويل إسرائيل لمليارات الدولارات إلى حسابات مصرفية محلية أو دولية نيابة عن السلطة الفلسطينية سيكون بمثابة من يمول الإرهاب للانقضاض عليه”.

بالنسبة لإسرائيل، أن يصبح الفلسطينيون موردي طاقة لإسرائيل، يمثل من الناحية المفاهيمية خروجًا جذريًا عن العلاقات الاقتصادية التي تأسست بموجب بروتوكول باريس للعلاقات الاقتصادية. بموجب البروتوكول، تخضع التجارة الفلسطينية لقواعد تجعل الاقتصاد الفلسطيني أسيرًا لاقتصاد إسرائيل. إحدى هذه القواعد هي أن توريد المنتجات الأساسية مثل الطاقة يخضع للاحتكار الإسرائيلي، لا يزال الفلسطينيون لا يملكون مصدر طاقة مستقل ولا يزالون يعتمدون بشكل كامل على القنوات الإسرائيلية منذ عام 1994، كانت الشركة الإسرائيلية Dor Alon المورد الحصري للبنزين والديزل والغاز للأراضي الفلسطينية. وبالإضافة إلى كونها أكثر تكلفة، تشكل هذه الترتيبات القسرية سلاحًا للضغط على الفلسطينيين من خلال إمكانية قطع الإمدادات. وبهذا يكشف بروتوكول باريس نفسه عن الطبيعة الحقيقية للتجارة بين الطرفين، ويبدو أنه يشير إلى مدى وهم أي فكرة مفادها أن الفلسطينيين يمكن أن يصبحوا بالفعل مزودي طاقة لإسرائيل.

الانقسام الفلسطيني وحماس العقدة:

يتدخل السياق السياسي الداخلي أيضا في القضية، حيث بعد استيلاء حماس على الحكم في 14 يونيو 2007، وما تلاه من انقسام سياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة لا يزال مستمر حتى اليوم، يعقد الموقف الفلسطيني أيضا.

يساهم الانقسام السياسي علاوة على الجغرافي أيضا في إضعاف الموقف الفلسطيني في حقوق الغاز، حيث أن استمرار الانقسام يعني غياب الاستراتيجية الوطنية للتعامل مع الملف بشكل كبير، بسبب حالة انعدام الثقة بين الفصيلين الكبيرين في الأراضي الفلسطينية، إذ تتهم حماس السلطة الفلسطينية بتهميش قطاع غزة من الموازنات الحكومية، والضغط على القطاع المحاصر بهدف تركيعها، من خلال حرمانه من عائدات أموال المقاصة، إضافة إلى الضغط على سكان القطاع بعقوبات اقتصادية منهكة، وربط السلطة لمسألة صرف الرواتب بالثورة على حكم الحركة القائم في القطاع.

هذه الاتهامات حدت برئيس اللجنة الاقتصادية في المجلس التشريعي عن حماس د.عاطف عدوان للتصريح بأولوية غزة من عوائد الغاز، لأنه يخفض من قيمة الاستيراد الفلسطيني، بالإضافة إلى إمكانية تشغيل محطة كهرباء غزة بالغاز، مما سيوفر التكلفة التشغيلية بنحو 60%.

ويتخوف عدوان من أن تقوم السلطة الفلسطينية بالاستفادة من الغاز في الضفة الغربية دون غزة، مع ترحيبه بإفراد حصة للضفة الغربية على قاعدة الوطن الواحد.

لدى حماس قدرة صاروخية كبيرة لتعطيل أي عمليات تنقيب هادئة في حال استثنيت من أي اتفاق لتطوير الحقلين، وهو ما يشكل تحد كبير لأي تفاهم محتمل.

وكما أكد موشيه يعلون في تصريح سابق: “حماس أكدت قدرتها على قصف منشآت الغاز والكهرباء الاستراتيجية في إسرائيل، من الواضح أنه بدون عملية عسكرية شاملة لاجتثاث سيطرة حماس على غزة ، لا يمكن القيام بأي أعمال حفر بدون موافقة الحركة”.

خلاصة:

لا تبدو التصريحات التي أطلقها سفير السلطة الفلسطينية لدى أنقرة منطقية من الناحية العملية، إذ يلعب الواقع المعقد للجغرافيا السياسية في المنطقة دورا مهما في إفشال اتفاق كالذي يسعى إليه السفير، ويبدو أن النفي المعلن للتصريحات من قبل وزارة الخارجية الفلسطينية ومنه لاحقا هو الأقرب للواقع.

المصادر:

1-https://www.defenceturkey.com/en/content/naval-balance-of-power-in-the-eastern-mediterranean-3634

2- Marian Houk, ‘‘Israel Makes Surprise Offer: Negotiate with PA over Gaza Gas, despite Egypt Deal,’’ Bikyamasr (Egypt), 4 February 2011.

3-https://arabic.rt.com/world/1058156-%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D9%8A%D8%B9%D9%88%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A8%D8%AD%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%AA%D8%B9%D9%84/

4-https://www.forbes.com/sites/thomaslandstreet/2015/02/25/why-oil-will-fall-to-40-as-obama-looks-the-other-way/#55d19681c5b4

5-https://mfa.gov.il/mfa/foreignpolicy/peace/guide/pages/main%20points%20of%20gaza-jericho%20agremeent.aspx

6-https://www.upi.com/Energy-News/2013/10/17/Gaza-gas-now-a-serious-prospect-says-Tony-Blair/62581382025685/?ur3=1

7-https://www.theguardian.com/commentisfree/2007/jul/26/gazaagasforblair

8-https://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-4230218,00.html

9-https://www.upi.com/Energy-News/2014/01/23/Abbas-seeks-1B-deal-with-Russia-on-Gaza-natural-gas-field/20211390508361/#ixzz3Op40s29e

10-https://www.thedailybeast.com/articles/2014/02/06/are-these-gas-fields-israel-s-next-warzone.html

11-https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2017/03/palestine-gaza-gas-field-energy-power-crisis-talks.html#ixzz4rsGdB7G9

12-https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/%D8%B5%D9%86%D8%AF%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%B3%D9%8A%D8%AE%D8%B5%D8%B5-45-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D9%82%D9%84-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%BA%D9%84-%D8%A3%D8%AC%D9%86%D8%A8%D9%8A/1108027

13-https://www.trtarabi.com/now/%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%AA%D8%B1%D8%B3%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-26762

14-https://www.independentarabia.com/node/129841/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7/%D9%86%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%84%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%AA%D8%B1%D8%B3%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7

Total
0
Shares
0 Facebook'ta Paylaş
0 Twitter'da Paylaş
Bir cevap yazın

E-posta hesabınız yayımlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir

Related Posts