الواقع السوري في عيون أبنائه

 الواقع السوري في عيون أبنائه

بعد مُضيِّ عقدٍ كاملٍ على انطلاق الثورة السورية وما اعتراها من إجرامٍ مكتمل الأركان من النظام الأسدي المجرم، والمحتل الروسي الغاشم، والعدو الإيراني الفاجر بميليشياته الطائفية الذين قتّلوا مئاتِ الآلاف من المدنيين العزّل وهدّموا عليهم بيوتهم وحرّقوا لهم ممتلكاتهم ومزارعهم، وغيَّبوا مئات الآلاف في السجون، في صورةٍ مؤلمةٍ من القهر والإجرام لم تُعهد في تاريخ البشرية ….
كان الشعب السوري بداية انطلاقته في ثورته ينتظر وقوف المجتمع الدولي معه في المطالبة بحقّه في الحرية والكرامة، وكانت الرسائل الدولية آنذاك منحازةً إلى الشعب بشكلٍ واضح إلا أنها لم تخرج إلى حيّز التطبيق في الضغط على النظام المجرم لإجباره على التنازل على السلطة وكفِّه عن الإجرام، بل فقد زاد النظام الفاجر من إجرامه غير آبهٍ بأحدٍ فكانت المجازر اليومية التي تفتك بأجساد الأطفال والنساء والشيوخ، وباتت القرى والمدن السورية جبالاً وأكواماً من الركام على رؤوس ساكنيها في سابقةٍ من أفظع الجرائم في تاريخ البشرية ….
لم تنقطع آمال السوريين من المجتمع الدولي الذي يتغنّى بالحرية والديمقراطية ويدافع عن حقوق الإنسان بعد تلك المجازر والجرائم التي ارتُكبت بحقّه، ويتوقع من الموقف الأمريكي بشكلٍ خاصٍ أن يرفع الكرت الأحمر بوجه المجرم بشار الأسد كما كان حالهم مع بقية رؤساء الدول التي سبقته في السقوط والهزيمة، إلا أن ذلك لم يحصل، بل كانت المواقف الدولية مريبةً أيضا في رسالةٍ واضحةٍ لدول الربيع العربي أنها تحمي الدكتاتوريات وتقف معها ضد الشعوب المظلومة التي تطالب بالحرية والكرامة …
وما زال الإجرام مستمراً بحقّ الشعب السوري الذي ما زال أيضا مستمراً في ثورته حتى ينتزع حريته وكرامته ..
والسؤال الذي يسأله الجميعُ والذي يحتاج إلى إجابةٍ واضحةٍ ومقنعة، وهو:
سوريا إلى أين؟ وكيف تنظر المعارضة إلى المستقبل فيها ؟؟
والحقيقة أنّ الذين تكلّموا بهذا الخصوص لم يتكلموا على سبيل التأكيد والتحقيق وإنما كان كلامهم على سبيل التحليل والتخمين ليس إلا، وخصوصاً بعدما خرجت القضية السورية من أيدي أبنائها وأصبحت في أيادي الدول الكبرى التي تبني سياساتها على أساس مصالها الخاصة بالدرجة الأولى ولو كان ذلك على حساب أشلاء الأطفال وجماجم الشيوخ …
ومن هنا كان لا بدّ من معرفة مواقف بعض الدول الفاعلة في القضية السورية كأمريكا، وروسيا، وإيران، وتركيا، كلٌّ على حدة لاستشراف الواقع الجديد الذي يمكن أن تُسَيَّر إليه سوريا …
١- الموقف الأمريكي: ‏
لم يكن الموقف الأمريكي بالأصل واضحاً من القضية السورية، بل ولم تكن القضيةُ السوريةُ من أولويات الإدارة الأمريكية أو على جدول أعمالها، ولذلك كان موقفهم متذبذباً في أكثر مراحله، في الوقت الذي فتحَ أبوابه بالدعم المفتوح للمليشيات الانفصالية الكردية مستخدمها ككلاب حراسةٍ على المناطق النفطية في الشمال والشرق السوري في إشارةٍ واضحةٍ أنّهم يريدون النفط والسيطرة على أماكن وجوده كهدفٍ رئيسي، ولا تعنيهم القضية السورية بشيء بعده، وهو ما صرّح به دونالد ترمب في أحد خطاباته…
وما يؤكد ذلك ما نراه اليوم من إدارة بايدن التي لم تعرِ اهتماما للقضية السورية أبداً إلا بالحفاظ على النفط وأماكنه، إضافةً لمواقفها المنحازة نحو التقارب الإيراني الفاجر وفك العزلة الدولية عنه والافراج عن أمواله ليزداد قتلاً وفتكاً وإجراماً و غرزاً لخناجره المسمومة في قلب الدول العربية والاسلامية …
٢- الموقف الروسي:
لم يكن الروسي بالأريحيّةِ التي يتظاهر بها، لأنّه خسر مكانته التي كان يريد استرجاعها كدولةٍ عظمى لم تستطع أن تحسم النصر في القضية السورية بعد ستِّ سنواتٍ من المعارك الضارية واستخدام مئات أنواع الأسلحة على الشعب السوري الحر ..
‏ولكنّه في الوقت ذاته لم ولن يستطيع التراجع ولا التنازل في الدفاع عن نظامٍ قاتل، لأنّ خسارته لسوريا تعني خسارته لمصالحه في منطقة الشرق الأوسط بأكمله، وهو ما لا يريده، ولذلك فهو يعمد إلى التصعيد المناطقي ما استطاع بعيداً عن المعارك الميدانية السابقة التي قد تكلّفه المزيد من نتائج غير مرضيةٍ له .
٣- الموقف الإيراني:
الشيعةُ والروافضُ هم حمير اليهود يحقّقون مشروعهم على أكتافهم مقابل فتاتٍ بسيطٍ يُرضونهم به لنشر مذهبهم في العواصم العربية
الحقيقة التي قد تخفى على بعضٍ من أبنائنا أنّ الشيعةَ واليهودَ والأمريكان أخوةٌ من رحمٍ واحدٍ في تحقيق المشروع الصهيوني، فهم الأداةُ الطيّعةُ التي تعمل لخدمة اليهود مع مشروعها الطائفي الداعم للمشروع اليهودي ..
لكنّها (إيران) ليست في الموقف المريح أيضاً، وخاصةً في الواقع الجديد في أفغانستان والذي يستدعي منها المزيد من المليشيات على حدودها وسحبهم من سوريا، مع دعم استمرارها في التشيّع وبناء الحسينيات ضمن مشروعها الطائفي الذي تعمل عليه منذ خمسة عقودٍ خلت …
وأمّا النظام المجرم، فهو متهالكٌ بكلِّ المقاييس، وعلى جميع الأصعدة، ولا يمكن أن يعود كسابق عهده، والوقع الراهن من الهروب والهجرة لكبار التجار والمدنيين مع إنهيار العملة السورية وغيرها، أكبر دليلٍ على وصوله إلى مرحلة الانهيار التي لا يمكن له التعافي منها ..
وما نرى من تسابقِ بعض الدول والتطبيع معه ما هو إلّا لتلبية الرغبات الأمريكية التي تعمل ضمن أجندةِ الموساد الإسرائيلي في تحقيق المشروع الصهيوني الأكبر، مشروع(( حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل )) .
‏ومع كلِّ هذا؛ فلا يمكن أن يعود كما كان من قبل، فهو في الصحوةِ الأخيرةِ من سكرات الموت، والتي تمدُّه بها الدول الكبرى ريثما أكملت تحقيق مصالحها ..
٤- الموقف التركي:
وأمّا تركيا فهي تحارب على كلِّ الجبهات بعدما تكالبت عليها الدول الكبرى وتجهّزت من أجل القضاء على مشروعها الفتيّ الذي بدأت ملامحه بالظهور، فكان لابدَّ من استئصاله قبل بزوغه وخروجه إلى الحياة حسب تخطيطهم ..
‏فتركيا ليست بالموقف المريح أيضاً أمام التحديات الداخلية المدعومة التي تضع العصي بدواليب السياسة التركية، إضافةً إلى التحديات الخارجية المحيطة بها من كلّ جانب والتي تتربّص بها الدوائر لإسقاطها والقضاء عليها …
ومع كلّ هذا فتركيا صاحبة الموقف المشرّف والمدافع الصادق عن القضية السورية، حفاظاً على أمنها القومي الخاص (وهذا حقّها الطبيعي)، ووقوفاً مع الشعب السوري الحرّ المظلوم بكلِّ ما تستطيع، وفضحاً لإجرام النظام السوري القاتل الذي استباح الحرمات وانتهك المكرمات …
لم تمنعها كلّ التحديات من القيام بخطواتٍ ثابتةٍ تحافظ على وجودها في المطابخ الدولية، ‏والذي قد يكلّفها بعض الانحناءاتِ أمام العواصف الدولية أحياناً .
وبناءً على ذلك نرى والله أعلم:
١- ما زالت القضية السورية معقدةً شديدة التعقيد، تحتاج إلى سنواتٍ مقبلةٍ أمام حلولٍ قد تكون حلولاً مرحليةً لا يمكن التكهّن بمآلاتها تبعاً للمتغيرات المصلحية التابعة للدول الفاعلة فيها ..
٢- تركيا صاحبةُ مصالحَ مهمّةٍ وأمنٍ قوميٍّ يعطيها الحقّ في الدفاع عن أمنها والبقاء في الميدان السوري.
٣- روسيا وإيران أدواتٌ بيد الموساد الصهيوني لتحقيق إسرائيل الكبرى مقابل فتات ومصالح ثانوية …
٤- بشار الأسد ضرورةٌ دوليةٌ ((( آنيّة )))، وبإمكانياتٍ ضعيفةٍ متهالكةٍ ريثما تحقّقت الظروف المناسبة للمشروع الصهيوني الكبير، ويتمُّ تبديله في الوقت الذي تتحقق فيه مصالحهم الخاصة .

لم أكن متشائماً أبداً ولكن هذا الواقع الذي نعيشه والذي ينبغي أن نشخّصه كما هو من أجل وضع الحلول
المناسبة، ودراسة الخطط اللازمة، ووقوف كلٍّ منّا عند مسؤولياته ..
فهل سنستسلم أمام هذا التخاذل العربي والعالمي تجاه الشعب السوري ؟؟
أم هل سنرضخ أمام تلك الكمائن والمؤامرات الدولية ؟؟
بالطبع لا …
فالشعب السوري خرج لأجل حريّته وكرامته دون أن يشاور أحد، وقدّم التضحيات العظيمة وما زال يقدّم ويضحّي وسيبقى بإذن الله …
لكنّه يحتاج بعد هذا الصبر والثبات والصمود إلى إعادة الحسابات والتفكير خارج الصندوق والعمل بآلياتٍ جديدةٍ تتناسب مع الواقع العالمي الجديد …
والشعب السوري قادر على ذلك وسيخرجُ من أزمته بإذن الله .
عمر حذيفة

Total
0
Shares
0 Facebook'ta Paylaş
0 Twitter'da Paylaş
Bir cevap yazın

E-posta hesabınız yayımlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir

Related Posts
Daha Fazla Oku

مشهد الانتخابات الع ارقية

مشهد الانتخابات الع ارقية اجرتانتخاباتمجلسالنوابالعارقيفي2021/10/10قبلوقتهابستةأشهر،وكانتالعمليةبشكلعام عمليةمنظمة،وكانتهناكبعضالمشاكلالتقنيةحيثأنأجهزةالتصويتفيعددمنالماركزالانتخابية توقفت عن العمل. وأعلنت المفوضية العليا للانتخابات إن نسبة المشاركة في التصويت…