المخدِّراتُ وخطرُها على المجتمعات

المخدِّراتُ وخطرُها على المجتمعات

 

من المتفق عليه في المجتمع المسلم أنّ المعركةَ بين الحقِّ والباطلِ طويلةٌ ومستمرةٌ، وأنّ لكلِّ فريقٍ منهم جنودُه الذين يقاتلون معه ويدافعون عنه بما امتلكوا من أدواتٍ نافذةٍ ووسائل فاعلةٍ ….
تتجلّى تلك الأدواتُ والوسائلُ بنوعين رئيسين، هما:
وسائل خشنة، ووسائل ناعمة ..
وبقراءةٍ بسيطةٍ للتاريخ القديم وحتى المُعاصرِ نرى الوسائلَ الخشنةَ التي استُخدمت ضدّ الشعوب كانت تدمّر وتشرّد وتهلك الحرث والنسل، لكنّها قد لا تغيّر الدين والأخلاق ولا تهدم المبادئ والقيم عندهم ..
ولذلك كانت الوسائلُ الناعمةُ التي يعمل عليها الأعداء أكثر إيلاماً وأشدَّ فتكاً بجسد الأمم، لأنها تهدم الأخلاق فيهم، وتقتل القيم والآداب عندهم، وتقضي على الأجيال بأكملها …
هدمُ الأخلاق في المجتمعات هو سلخُها عن هويتها الأصلية وتفريغُها من كلّ خيرٍ ومعروف واستبدال ذلك بكلّ شرٍّ وإفساد وإحالتها كهيكلٍ فارغٍ أجوفَ لا يملك قراراً ولا يقدر على حراك .

المخدراتُ من أخطر الوسائل الناعمة القاتلة للأفراد، الهدّامةُ للمجتمعات، وهو ما يُعمل على ترويجه ونشره في مجتمعاتنا للأسف دون أن تُدرَكُ الخطورةُ والمآلاتُ فيغدو المجتمع مستنقعاً للرذيلة والفساد بكلِّ أشكاله، ومرتعاً خصباً للفجور والإجرام بكلٍّ أصنافه …
من هنا كان لا بدّ من التنبيه والتركيز الدائم والتوجيه والارشاد المتواصل لأبنائنا حتى لا يقعوا في هذا الفخ القاتل من خلال التذكير بالتوجيهات النبوية والارشادات القرآنية: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (النساء: 29)} .
“ولا تقتلوا” جاءت مطلقةً لم تحدّد طريقةَ القتل، ولا وسيلةَ القتل ولا آليّته، لتشمل كلّ ما من شأنه أن يؤدي إلى ذلك …
المخدرات هي معولٌ هدّامٌ للمجتمعات، فلا تقتصر أضرارها ولا أخطارها على الفرد فحسب، بل تتعدى ذلك إلى المجتمع كلّه والذي سيدفع الثمن الغالي، وسيفقد تماسكه وأواصر المحبّة والأخوة فيه، وستنهار أسواره الأخلاقية عندما تنتشر فيه الجريمة ويسود فيه الفساد، ويعيش أفراده حالةً من الخوف والاضطراب وفقدان الأمن والأمان، ولعلّي في هذا المبحث أعرّج على بعض الأخطار التي تترتّب على تعاطي المخدرات بدءاً من الشخص المبتلى ومروراً بالأسرة التي هي عصب المجتمع وانتهاءً بالمجتمعات والدول:
أولاً: خطر المخدرات على المرء:
١-ضياع الدين و الأخلاق: لأنّ المدمن على المخدرات قد يفقد عقله الذي هو مناطُ التفكير والتكليف، وسيغيب عن الواقع الحقيقي الذي يرفع مكانته بين الناس كإنسانٍ مكرّمٍ يحظى بالحب والتقدير والاحترام، من خلال التصرفات السيئة المشينة التي تبدر منه من غير وعيٍ بعدما استحكمت فيه المخدرات وأفقدته رصيده في المجتمع فأضاع دينه ودنياه .
٢- ضياع المستقبل الوظيفي:
وذلك من خلال الأضرار التي تنعكس على جسده وذاكرته، وعلى حياته العملية وانشغاله بما يؤمّن له ثمنها ولو من طريق النصب والاحتيال والاختلاس والتي بدورها ستؤثّر على وظيفته الحياتية بالطرد والاستبعاد منها، أو تقوده إلى السجن، أو الطرد من المدرسة والجامعة، أو خسارةِ زملائه في الأعمال الحياتية والأنشطة الجماعية .
٣- الانحراف السلوكي والانهيار الأخلاقي: غالباً ما يرتبط تعاطي المخدرات بالانحراف السلوكي من خلال استعمال أساليب الكذب والسرقة والتي قد تؤدي إلى الزنا والاغتصاب والدعارة والتهريب وكلّ ما من شأنه تأمين ثمن المخدرات التي يتعاطاها، وقد تتعدّاها إلى الخطف والقتل وغيرها من الجرائم البشعة، وتصبح بذلك بوابةً للانهيار الأخلاقي في شخصية الفرد وتجعل منه سبَّةً بين الناس .
٤- الضعف الجسدي للفرد المدمن:
لأنّ تناول المخدرات توهن الجسد وتحوّله إلى هيكلٍ عاجزٍ عن العمل والكسب الحلال فيصبح بذلك عبئاً على الأسرة والمجتمع .
٥- ازدياد الحوادث والمخالفات
لأنّ تأثير المخدرات يكون مركّزاً على الذاكرة بشكلٍ عامٍ فيُضعفها، ويشتّت الانتباه لدى المتعاطين، وهو ما قد يؤدي إلى ارتكاب الحوادث المختلفة أثناء القيادة والتسبّبِ في الإصابات الجسدية وزيادة الوفيات .
٦- النبذ الاجتماعي:
حيث يُنظر إلى الفرد المتعاطي نظرةً دونيّةً من قِبَلِ غيره فيشعر بالنقص بينهم دون أن يستطيع التخلّص من ذلك، وهذا بدوره يؤدي به إلى نوعٍ من الاكتئاب والعزلة وسوء الظن بالآخرين والنظرة السوداوية إليهم، وقد يعمل جاهداً على توريط غيره بالمخدرات والعمل على نشرها ليكونوا في ذلك سواء، على مبدأ قوله سبحانه: {ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً )}
٧- جنون العظمة والعدوانية تجاه الآخرين
وهذا بدوره يؤدّي إلى مزيدٍ من جرائم العنف من اغتصابٍ، وسرقةٍ، وقتلٍ ممّا يُشيعُ الخوفَ ويُشعرُ بانعدام الأمن بين أفراد المجتمع .
٨- النهاية الوخيمة التي لم يحسب لها حساب، والتي غالباً ما تؤدي إلى سوء العاقبة النفسية أو الانتحار الجسدي .
ثانياً: خطر المخدّرات على الأسرة:
لا يقتصر تأثير المخدرات على الفرد فحسب، بل تمتد آثاره المدمّرة إلى المجتمع، فالآثار الكارثية التي تتركها المخدرات على الأسرة تدفع بها للانهيار التام، ومن صور هذه الآثار:
أولاً: غياب الرقابة الأسرية على الأبناء:
لأنً المخدرات سلبته القدرة على متابعة أبنائه وتسيير شؤون أسرته، فدافِعُ التعاطي أقوى عنده من كلِّ شيء، والادمان يتغلّب عنده على أيّ شيءٍ آخر في الوقت الذي قد لا يدرك المآلات والأخطار الكارثية على أسرته وأولاده .
ثانياً: تأثير تعاطي المخدرات على الأطفال:
غالباً ما يتعرّض الأطفال من أبناء المتعاطين للمشكلات التربوية والأسرية التالية:
أ- الإهمال:
سيتعرّض الأطفال إلى الإهمال نتيجةَ انشغال الآباء المدمنين بتأمين المخدرات على حساب صحة أطفالهم ورعايتهم ورفاهيتهم.
ب- العنف الجسدي والنفسي:
غالباً ما يتعرّض أطفالُ مدمني المخدرات وأفراد أسرهم للايذاء الجسدي أو العاطفي بحسب وضع المتعاطي ودرجة تأثير المخدر فيه، فضلاً عن حالات النقص التي يتعرّض لها ولم يجد مالاً يشتريها، وهو ما ينعكس سلباً على تصرفاتها في بيته وعلى أطفاله …
ت- الإهمال في الرعاية الصحيّة والمعاشيّة والجوُّ المنزليّ الموبوء:
من الطبيعي أن يتمّ التقصير في الرعاية الصحيّة عند المتعاطين وهو ما يجعل الأولاد عرضةً للأوبئة والأمراض، فضلاً عن جوّ البيت الذي سيكون موبوءاً وسيزيد من معاناة الأسرة والأولاد ويمهّد لهم لمرحلةٍ قد يكونون هم ضحاياها في قابل الأشهر والأعوام
فكم سمعنا عن بيوتٍ كان أفراد الأسرة فيها كلّهم من المتعاطين، وكم سمعنا عن جرائم لا يتوقّع أحدٌ حدوثها في مجتمعاتنا؛ لكنّها حدثت في تلك البيوت عندما استحكمت المخدراتُ فأفقدتهم وعيهم وأذهبت عنهم نخوتهم ومروءتهم وشرفهم .
ح- تسرُّبُ الأطفال من التعليم:
بسبب عدم توفير الموارد المادية الكافية للإنفاق على متطلبات الدراسة، وهو ما يؤدي إلى تسرّب الأطفال من المدارس والفشل الدراسي والحياتي فيصبح الأولاد رهن الابتزاز والتشتّت والضياع والجلوس في الشوارع والطرقات …
ج- العزلةُ والنبذُ الاجتماعي:
وهو غالباً ما تتعرّض له أسرة المدمن مع عدم رغبة أحدٍ في الاختلاط أو الاقتراب من أفرادها، ممّا يُدخلهم في حالة اكتئابٍ وحزنٍ وتهميشٍ في المجتمع .
ح- السمعة السيئة:
وهي صفاتٌ لازمةٌ تلحق بالمتعاطي وبأسرته، من خلال تعامل الناس معهم على أنهم من شواذ المجتمع .
د- تفكُّك الأسرة:
تؤدّي المخدراتُ إلى حدوث تفكّكٍ أسريٍّ ينتهي بالانفصال نتيجةَ سوءِ العلاقة الزوجية وكثرة الخلافات البيتية، بسبب عدم تحمّل المدمن لمسؤولياته، ويذهب ضحيةَ ذلك الأولادُ ما بين مشرّدٍ وتائهٍ وضائع ..
ع- ولادة أطفال مشوهين خلقياً:
تناول المخدرات أثناء الحمل يؤدّي إلى انتقالها للجنين و الإصابة بتشوهاتٍ خلقيّةٍ ومشاكل في نموه، وأحياناً قد تسبّب الإجهاض .
ثالثاً: تردّي الوضع المادي:
لأنّ الهمّ الأساسي عند المدمن هو الحصول على كمية المخدرات التي يتعاطاها، مهما كان ثمنها، وهو ما يؤثّر سلباً على احتياجات الأسرة، فضلاً عن قيام المدمن بسرقة بعض أغراض بيته وبيعها من أجل شراء وتأمين المخدرات .

ثالثاً: خطر المخدرات على المجتمع والدولة:
لم يقتصر خطرُ المخدرات على المرء فحسب؛ بل تعدّاه إلى أسرته فأضاعها، وإلى مجتمعه فأفسده، وإلى الدولة فكان سبباً في إنهاكها، فبدلاً من السعي والعمل في بناء المستقبل وتنمية المجتمع وردف الدولة بالامكانيات، يتوجّه الشباب للحصول على الحشيش والمخدرات، متجاهلين المخاطرَ الكثيرةَ التي تتجلّى بالنقاط التالية:
١- تدمير طاقات الشباب الإبداعية:
فالشبابُ هم المكوّن الفاعل في المجتمع ونواة الابداع فيه في كلّ مجالات الحياة، فإذا ما وقع الشباب في مستنقع المخدرات توقّفت عجلة الحياة الإبداعية في المجتمع وتراجعت المشاريع الاقتصادية والإنمائية التي تسهم في تطوّر المجتمع وتقدّمه .
٢- إهدار موارد الدولة وأموالها:
من خلال إشغال القضاء بهذه الجرائم والصرف على علاج المدمنين، وبناء المصحّات، وإقامة ندوات التوعية والتوجيه، وما تحتاجه من أموالٍ ومصاريفَ، بدلاً من بناء المرافق والمنشآت والمشاريع الناهضة بالبلد والدولة .
٣- انتشار الجرائم بشكلٍ كبير، حيث يتّسم المدمن بالتدنّي الأخلاقي، ورغبته في الحصول على المال بأيّ طريقةٍ كانت، فتنتشر السرقات وجرائم القتل والاغتصاب وغيرها الجرائم الشائنة .

ضرورة مكافحة المخدرات
من خلال ما سبق ذكره عن مخاطر المخدرات وأثرها على الفرد والأسرة والمجتمع والدولة كان لا بدّ من العمل على مكافحتها بكلّ الطرق الممكنة والمتاحة والتي يمكن ذكر بعضها:
١- التوعية الدائمة والارشاد المستمر من خلال البرامج والندوات والأنشطة والفعاليات ذات الصلة .
٢- تجريم تجار المخدرات وملاحقتهم ومتابعة المتعاطين ومحاسبتهم ..
٣- إقامة المصحّات ومراكز الرعاية الصحية .
٤- البحث في الاسباب الموصلة لذلك ومتابعتها ومعالجتها وخاصةً البطالة …
٥- الصحبة الصالحة التي تحفظ الشباب وتحميهم من التشتّت والضياع ..

Total
0
Shares
0 Facebook'ta Paylaş
0 Twitter'da Paylaş
Bir cevap yazın

E-posta hesabınız yayımlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir

Related Posts